محمد جمال الدين القاسمي

221

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومحلة شمل المكاره أهلها * وتقلّدوا مشنوءة الأسماء دار يهاب بها اللئام وتتّقى * وتقلّ فيها هيبة الكرماء ويقول علج ما أراد ، ولا ترى * حرّا يقول برقة وحياء ويرقّ عن مسّ الملاحة وجهه * فيصونه بالصمت والإغضاء وقال شاعر من المسجونين : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجّان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدّنيا ويؤثر عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن : هذه منازل البلاء ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء ، وقبور الأحياء . هذا وقد حاول كثير من الأدباء مدح السجن بسحر بيانهم ، فقال عليّ بن الجهم : قالوا : حبست فقلت ليس بضائري * حبسي . وأيّ مهنّد لا يغمد ؟ أو ما رأيت الليث يألف غابه * كبرا وأوباش السّباع تردّد والبدر يدركه المحاق فتنجلي * أيّامه وكأنه متجدّد ولكل حال معقب ولربّما * أجلى لك المكروه عمّا تحمد والسجن ، ما لم تغشه لدنيّة * شنعاء ، نعم المنزل المتورّد بيت يجدّد للكريم كرامة * فيزار فيه ولا يزور ويحفد وأحسن ما قيل في تسلية المسجونين قول البحتري : أما في رسول اللّه يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الجور والإفك أقام جميل الصّبر في السجن برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك نقله الثعالبي في ( اللطائف واليواقيت ) . وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أي البادية ، وقد كانوا أصحاب مواش ، مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ أي أفسد الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أي بالحسد . وأسنده إلى الشيطان لأنه بوسوسته وإلقائه . وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا . وإنما ذكره لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعا .